حراك جرادة .. بوادر غليان جديد جماعي بدون عقل مدبر

يأتي حراك جرادة بعد أشهر من الاحتجاجات التي عرفتها منطقة الريف، شمال المغرب. بين احتجاجات جرادة وحراك الريف أسباب وسياقات متشابهة ومختلفة أيضا.

فوفاة بائع السمك، محسن فكري، في حاوية للأزبال كان هو الحدث الذي فجر حراك الريف، بينما اندلعت احتجاجات جرادة إثر وفاة الشقيقين الدعيوي، حسين وجدوان، في آبار فحم عشوائية بالمدينة.

كلا الحراكين رفعا شعارات مطالبة بحقوق اقتصادية واجتماعية، لكن كان بينهما اختلاف جوهري واضح؛ ففي الوقت الذي ظهر فيه، على رأس حراك الريف، قائد محرك هو ناصر الزفزافي، لم يتوضح من احتجاجات جرادة وجه بارز.

فهل يشكل حراك جرادة بوادر غليان جديد ؟ فهل ذلك تكتيك متعمد؟ هل سبب عدم ظهور قادة لحراك جرادة هو الخوف من أن يلقوا مصير معتقلي الريف نفسه، أي الاعتقال؟ أين زعيم حراك جرادة؟

تناوب على الزعامة

تعتبر مدينة جرادة من بين أكبر التجمعات العمالية في المغرب. لذلك ارتبط تاريخها بالاحتجاجات دفاعا عن حقوق عمال الفحم الحجري بشركة مفاحم المغرب، وقبلها شركة مفاحم أفريقيا.

تربى أغلب الشباب المؤطرين في وسط نضالي وسط آبائهم أو أفراد عائلاتهم من النقابيين والعمال، مما يجعلهم يتميزون بحس قيادي متساو وتجربة ميدانية، هكذا ما يفسر عدم وجود زعيم واحد لحراك جرادة.

وتناوب الشباب على المهام التنظيمية والكلمات التوجيهية خلال المسيرات عبر تمثيلية الأحياء أو ما يسمى الأحياء الشعبية يجعل من عملية التناوب لا تسمح ببروز قيادة واضحة ومنفردة.

كما أن سبب وجود وجوه بارزة في احتجاجات جرادة هو أن المحتجين أنفسهم لا يرغبون في تحميل المسؤولية لشخص واحد.

وقد سبق أن عانى السكان من الخذلان، مما يجعل عملية وضع الثقة في ناشط واحد فقط صعبة، فاليوم يمكن أن يمنحوك صلاحيات معينة للحديث باسمهم وبعد غد يسحبونها، ثم بعد أسبوع تصبح لديك مهام أخرى.

كما أن الإرث الاحتجاجي لمدينة جرادة سبب في عدم بروز شخص واحد مؤثر في حراك جرادة، فاليوم يظهر قائد وبعد غد يظهر شخص آخر.​

المساواة في المعاناة أيضا

على خلاف باقي المدن التي من الممكن أن نلحظ بها وجود أحياء راقية وأخرى شعبية، فالوضع في جرادة متشابه، وجميع السكان معنيين بالمشاكل والمعاناة ذاتها، ومنه يحاول، كل من موقعه، الانخراط في التوجيه والتسيير والقيادة والتأطير.

ويوجد في جرادة حوالي 33 حيا، لكن ما يقارب 15 حيا هي الأكثر نشاطا في الحراك حسب موجهيه.

كما أن بعد أحياء أو قربها من مركز الوقفات، أمام مقر العمالة (تمثيلية وزارة الداخلية محليا)، يتحكم في طبيعة الاحتجاج، فالبعيدون عن المركز يشاركون عبر مسيرات على الأقدام، خلافا للأحياء القريبة من المركز والتي يخرج سكانها فرادى.

وصغر المدينة وطبيعة سكانها الذين يعرفون بعضهم البعض بحكم قربهم الجغرافي أو اشتغالهم مع بعضهم البعض في آبار الفحم العشوائية وقبلها في شركة مفاحم المغرب، عوامل تسهل عملية التواصل بين أبناء الحي وتيسير وصول المعلومات وتنطيم الوقفات.

القيادة للجميع

يعتمد نشطاء الحراك في التنظيم على ما يسمونه اللجان الشعبية، إذ قام كل حي باختيار ممثلين له داخل تنسيقية الأحياء التي تضم مجموع هؤلاء الممثلين، والذين يختلف عددهم حسب عدد سكان كل حي وكبره.

وتعتبر كل من أحياء “حاسي بلال” و “النهضة” و”المسيرة” أحد أبرز الأحياء المشاركة في الحراك، والتي تضم أكبر عدد من العمال.

بهذه الطريقة يتم تنظيم الحراك، إذ بعد كل وقفة يومية تكون هناك اجتماعات في الأحياء للتقييم والنقد، وبعدها تنقل النتائج إلى لتنسيقية، التي تقوم بدورها بنقل القرارات والخطوات المقبلة إلى الأحياء عبر ممثليهم.

كما أن الحراك انطلق بشكل عفوي، والمطالب شعبية وتنادي بالخبز، ومحاسبة المتورطين في نهب ثروات جرادة، وهي مطالب اقتصادية واجتماعية بدرجة أولى، بعدما وصل السكان إلى حالة من التذمر النفسي فجرت غضبهم.

Post Author: هسبريس

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*