حرب تطوان … ليتها لم تقع

صباح يوم السادس من فبراير عام 1860م دخل الجيش الإسباني مدينة تطوان بقيادة أودونيل منهيا حربه ضد المغرب باحتلال المدينة ورفع العلم الإسباني على قصبتها بعد انسحاب الجيش المغربي منها.

حرب تطوان هاته التي تحدث عنها مؤرخون مغاربة أمثال الناصري(2) وابن زيدان والرهوني، خصص لها مؤرخ تطوان محمد داود مجلدين(3) كاملين في نحو ألف صفحة، فكان الوحيد الذي جمع أكثر ما يمكن جمعه من النصوص والوثائق والمستندات الرسمية التي تؤرخ لهذا الحدث. وحرص بكل موضوعية على تجميعها وترتيبها وفق نسق زمني من ما قبل ابتداء الحرب إلى عقد الصلح والجلاء عن تطوان. واجتهد المؤرخ في إضافة ملاحظاته وتعليقاته، وفيها تكمن ذاتيته التي أفرزت تصوراته الخاصة لما حدث.

ليس الغرض من هذه القراءة إعادة سرد أحداث الحرب وإنما رصد رؤية المؤرخ محمد داود لما حدث. فهو يطرح في تعليقاته مجموعة من الافتراضات، مستعملا حرف ” لو(4) كشكل من أشكال المراجعة والمحاسبة والتقييم. وهذا المستوى من التفكير أمر طبيعي لفهم وتفسير الأحداث التاريخية.(5) فما الافتراضات التي يطرحها، وما قيمتها التاريخية.

بعد تجميع هذه الافتراضات تبين أنها تنصب في مجملها على تساؤلين عريضين هما:

– هل كان من الممكن تجنب الحرب.

– وهل كان من الممكن تفادي الهزيمة في الحرب.

أولا : احتمالات تجنب الحرب .

يطرح مؤرخ تطوان ثلاثة احتمالات كان من شأنها – لو تحققت – أن تجنب المغرب ويلات الحرب .

1- الاحتمال الأول :

 يتعلق بالوضعية العامة للبلاد. ذلك أنه “ لو كان المغرب قويا غنيا لما تحرش به ساسة مدريد، ولما كانت حرب الستين، ولما كان احتلال تطوان“.(6)

إن المسؤولية تقع على المغاربة ككل، الذين لم يأخذوا بأسباب التقدم ومجاراة غيرهم من الأمم التي سارت في طريق الرقي، لذلك وجدت الدول القوية في ضعف المغرب فرصة للانقضاض عليه في زمن كان فيه الحق مع القوي.

إذن ” لو كان المغرب قويا ” هو افتراض لا ينفي فقط حرب تطوان وإنما ينفي كل أنواع الضغوط التي مورست على المغرب طيلة القرن 19. ويصل محمد داود في افتراضاته إلى الحد الذي يتخيل فيه أن المغرب ” لو فتع عينيه وجارى الأمم المعاصرة له في تقدمها لكان اليوم من أرقى دول العالم“.(7)

2 – الاحتمال الثاني :

يتعلق بتقييم تصرف أهل أنجرة الذين” لم يكن لهم الحق فيما فعلوا لأن النظر فيما فعلته حامية سبتة إنما هو للحكومة المغربية … وكذلك الحاكم العسكري لسبتة الذي كان عليه أن يرفع الأمر لحكومته … و أنه لو جرى الأمر على هذا المنوال، لما عظم الخلاف ولا نشبت الحرب“.(8)

يحمل محمد داود المسؤولية للطرفين معا. لكن ما قامت به قبيلة أنجرة لم يكن حدثا معزولا، فمن خلال السياق التاريخي يتبين أن المناوشات على الحدود بين الجانبين المغربي والإسباني تعود إلى ما قبل 1859م. والمخزن كان يعتبر أهل أنجرة حراسا للحدود. هذه القبيلة الجبلية وصفها السلطان مولاي عبدالرحمن بقبيلة المجاهدين، وأنه لا يعرف لأهلها مثيلا لهم في بلاد المغرب. ففي رسالة من السلطان مولاي عبدالرحمن إلى والي طنجة بتاريخ أكتوبر1844 حول قدوم وفد من قبيلة أنجرة إلى فاس وتقديمه مطالب إلى السلطان تتعلق بالحدود مع سبتة نقرأ ما يلي:” وأن محلا يقال له الجويمع أرفع وأطل على سبتة، فاذنهم في جعل عستهم فيه أو في غيره مما يكون أكثر احتراسا وأبصر جانبا، وذكروا أن العدو لم يكفه ما جعل من العلامات على الحدود، وأنه أراد إحداث بناء، فإياك أن يحدثوا زيادة على العلامة التي أذنا فيها … فإن هذه القبيلة اللنجرية لا نعلم في مغربنا قبيلة أُشربوا بغض النصارى وباعوا أنفسهم من الله في الجهاد تماثلهم“.(9)

إن هذه الرسالة بمثابة إذن صريح وساري المفعول من المخزن لقبيلة أنجرة يبيح لها التدخل بحزم لمواجهة أي تغيير من قبل العدو في العلامات على الحدود. أما بالنسبة للجانب الإسباني فإن السؤال الذي يفضح نواياه الاستعمارية الخبيثة هو لماذا تعمدت الحامية العسكرية لسبتة استفزاز قبيلة أنجرة، ولماذا اختيار تاريخ غشت 1859 تحديدا.

3 – الاحتمال الثالث:

يتعلق بتقييم القدرة التفاوضية للديبلوماسية المغربية. فلقد كان من الممكن التوصل إلى حل سلمي للمشكلة ولو بتضحيات من المغرب. هذا ما اعتقده محمد داود. فلماذا فشلت المساعي الديبلوماسية.

إن المفاوضات بين المغرب ممثلا بمحمد الخطيب التطواني النائب السلطاني بطنجة و إسبانيا ممثلة بالقنصل العام الإسباني، كانت منذ انطلاقتها تسير في طريق مسدود، إذ كلما زاد خضوع واستسلام الطرف المغربي إلا وقابله تصلب وتعنت الطرف الإسباني. لقد كانت الديبلوماسية الإسبانية تفاوض المغرب بمنطق التهديد، وفي الوقت نفسه كانت تجري مفاوضات مع إنجلترا ملتمسة الحصول على موافقة حكومتها فيما إذا أعلنت الحرب على المغرب. وهذا ما يثبت أن إسبانيا لم تكن تريد حلا سلميا بل كانت مصممة على إعلان الحرب. فما مسؤولية الديبلوماسية المغربية.

إن نقطة ضعف الديبلوماسية المغربية هي أولا: ضعف قدرتها على استغلال التوازنات الدولية لصالح المغرب، “فقد كان في الإمكان طلب تدخل الدول، التي تزاحم إسبانيا، لفض المشكلة”.(10) وثانيا: الانقسام الذي حصل في الموقف المغربي من الشروط الإسبانية. فالخطيب كان يعتبرها أهون من الحرب، في حين أن السلطان محمد بن عبدالرحمن الذي تولى العرش أثناء المفاوضات كان يرى أن الحرب أهون من شروط الإسبان. وهكذا كانت وفاة السلطان عبدالرحمن عند بدأ المفاوضات، وحصول الارتباك والانقسام في الديبلوماسية المغربية، من المحفزات التي شجعت إسبانيا على التحرك بسرعة لوقف التفاوض وشن الهجوم على المغرب.

إذن لو أن المغرب كان قويا، ولو لم تتصرف قبيلة أنجرة من تلقاء نفسها، ولو نجحت الديبلوماسية المغربية في التوصل إلى حل سلمي، هي احتمالات ضعيفة إلى حد الاقتناع بأن الحرب كانت قدرا محتوما. لكن إذا لم يكن من الممكن تفادي الحرب، فهل كان من الممكن تفادي الهزيمة.

ثانيا: احتمالات تفادي الهزيمة.

إن الجيش الإسباني لم يكن قويا مقارنة بالجيش الفرنسي أو البريطاني. فتحركاته أثناء الهجوم كانت بطيئة ومتعثرة مما تطلب منه 80 يوما لقطع مسافة 40 كلم من سبتة إلى تطوان. وهذا الأمر أثار استغراب الأوربيين أنفسهم، حيث كتب إنجلز يقول: “وحينما نرى  القائد [الإسباني] يتردد ويلتزم وضعا دفاعيا، فإننا لا يمكننا أن نكن تقديرا كبيرا للجيش الإسباني”.(11)  فكيف تمكن هذا الجيش من هزم المغاربة.

إن المؤرخ محمد داود سجل كل التفاصيل عن التحركات الميدانية للقوتين المتحاربتين ورصد حالتين  لولاهما لكان من الممكن إنقاذ البلاد من الهزيمة.

– انسحاب القوات المغربية من مكانها ليلا بعد المعركة العظيمة لفاتح يناير 1860 كان فتحا لباب الهزائم، “ولو كان لدى المغاربة من حسن النظام وحزم القيادة ما لدى أعدائهم لتغير سير الحرب بعد هذا اليوم ولانقلبت الأحوال رأسا على عقب ، ولكن الأمر كان خلاف ذلك”.(12)

– عدم استغلال المغاربة فرصة تخبط الجيش الاسباني في واد أسمير وانقطاع الامدادات عنه في 8 يناير1860، “وأن المغاربة لو شعروا وأحسنوا التدبير لقضوا في تلك الأيام على نخبة الجيش المعتدي”.(13)

بالرغم من نقاط ضعف الجيش الإسباني لم يستطع المغاربة استغلالها لتفادي الهزيمة.(14) إن المغرب حسب محمد داود لم يكن ينقصه كثرة المقاتلين ولكن كان ينقصه حسن التنظيم وحزم القيادة. فالقبائل كانت تقاتل بشكل عشوائي وفوضوي. ومولاي العباس، الذي أسند إليه أخوه السلطان سيدي محمد رئاسة الجيوش المغربية، كان يفتقر إلى الخبرة والتجربة وقوة الإرادة. وحاكم تطوان ارتكب عملا فظيعا حين أمر بإخلاء برج مرتيل وهو”الحصن الوحيد الذي يحمي تطوان وشواطئها بمدافعه الثقيلة“.(15)

يخلص محمد داود إلى أن المغرب لم يكن مستعدا للحرب. وكل ما حصل له راجع إلى الضعف الكبير الذي كان يعاني منه في كل المجالات. لكن المؤرخ يعود من جديد، وقد شارف على الانتهاء من تأريخه للحرب، ليحمل المسؤولية للقبائل، ذلك أن أهل تطوان بعد سماع إنذار الحرب “انتظروا ورود رجال القبائل فلم يرد عليهم أحد، وطلبوا منهم المساعدة والتعاون على مقابلة عدو الجميع فلم يلبوا الطلب ولم يحركوا ساكنا”.(16)

إن هذه الإشارة تتناقض مع المعطيات التي أثبتها انطلاقا من الوثائق. فمخطوط أفيلال الذي اعتمده يشير إلى “توجه القبائل التي اجتمعت في تطوان إلى مواجهة العدو وهم وادراس وبني يدر وبني حزمر، نزلوا بأنجرة وانضم إليهم بعض الرماة من أنجرة“.(17) وفسر المؤرخ داود امتناع القبائل عن تقديم المساعدة بالخلاف الذي نشأ بينها وبين أهل تطوان حول التموين أثناء مجاعة 1858.

إن هذه الواقعة تثير إشكالية العلاقة بين تطوان وباديتها. فهل كان العداء متأصلا في علاقة المدينة بالقبائل المجاورة لها أم أنه كان مجرد حالة ظرفية عارضة.

كيفما كانت ظروف هذا العداء فإن الظاهر أن العائلات الأندلسية التي كانت لها الرئاسة والزعامة على المدينة فشلت في كسب ثقة أهل البادية وتمتين العلاقة الودية بمحيطها القبلي، مما حرم المدينة من عمقها الاستراتيجي. فالقبائل التي كانت خاضعة لحكام تطوان كان من الممكن تسخيرها لخلق حزام أمني دفاعا عن المدينة وإفشالا لأي محاولة للاقتراب من أسوارها.

نخلص في نهاية هذه القراءة إلى أن محمد داود في تعليقاته على حرب تطوان كان يطرح افتراضات يتخيل من خلالها صورة لمغرب آخر لم تتحقق. لكن في غياب الطرح الإشكالي للموضوع بدت تلك الافتراضات عفوية، متحررة من أية قيود منهجية، فهو على حد تعبيره ” يعلق بما يشاء كما يشاء “.(18) وحيث أنه لم يتجرد من ذاتيته فقد طغت على تعليقاته مشاعره وعواطفه وانفعالاته. ونقلته خلفيته الدينية والوطنية من مجال التاريخ إلى مجال النصح والإرشاد بأسلوب خطابي مباشر كله حماسة نابعة من وطنيته الصادقة.(19)

لقد أثرت حرب تطوان تأثيرا عميقا في نفسية المؤرخ ربما بنفس القدر الذي أثرت فيه الحماية الإسبانية. إنه كان تحت ضغط زمنين، زمن الحرب الذي أرخ له، وزمن الحماية الذي أرخ فيه. وبين الزمنين صلة وقرابة، وكأن الحماية ولدت من رحم الحرب. تلك الحرب التي جرت الويلات على البلاد والعباد، وكأني بالفقيه محمد داود ولسان حاله يقول ليتها لم تقع.

—————————————————————————————————————————

الهوامش

1 – اعتمدت هذه القراءة على مختصر تاريخ تطوان، محمد داود ، الجزء الأول ، الطبعة الثانية ، المطبعة المهدية ، تطوان . 1955

2 –  حرب تطوان تناولها المؤرخ الناصري في 18 صفحة من كتابه ” الاستقصا ” ج 9 وقال عنها عبارته المشهورة : ” أزالت حجاب الهيبة عن المغرب واستطال النصارى بها وانكسر المسلمون انكسارا لم يعهد لهم مثله .”

3 – المجلدان الرابع والخامس . وقد بلغ مجموع مجلدات ” تاريخ تطوان ” 12 مجلدا حسب آخر طبعة في 2013 .

4 –  ” لو” حسب بعض المنظرين ، تُسقط التاريخ في غياهب الميتافيزيقا .

5 –  يعتبر أوستاين سورنسن ، أستاذ التاريخ بجامعة أوسلو ، من المؤلفين الذين عرضوا التاريخ على شكل افتراضات بديلة  في كتابه ” تاريخ ما لم يقع .. ضد حقيقة التاريخ ” . نشر في 2005 . ومن الفرضيات التي استعرضها في كتابه ” ماذا لو انتصر هتلر”

6 –  محمد داود، مختصر، مرجع سابق، ص 128

7 – محمد داود، نفسه، ص 142

8 – محمد داود، نفسه، ص 129

9 – محمد داود . تاريخ تطوان . المجلد التاسع . منشورات الخزانة الداودية . الطبعة الأولى . 1998 . ص 123 .

10 – محمد داود، مختصر، مرجع سابق، ص 180

11 – عبدالله ساعف، كتابات ماركسية حول المغرب ، دار توبقال ، الدارالبيضاء . 1987

12 – محمد داود، مختصر، مرجع سابق، ص 142

13 – محمد داود، نفسه، ص 144.

14 – يعتبر إنجلز أن الخطأ الذي ارتكبه المغاربة هو ” أنهم تركوا حرب العصابات وشنوا معارك المواجهة المخططة ” . عبدالله ساعف، مرجع سابق .

15 –  محمد داود، مختصر، مرجع سابق، ص 145.

16 – محمد داود، نفسه، ص. 181

17 – محمد داود، نفسه، ص. 138

18 – محمد داود، تاريخ تطوان، القسم الأول ، المجلد الأول ، مطبعة- مكتبة كريماديس ، تطوان .1959 ، ط 2. ص 13

19 –  محمد داود، مختصر، مرجع سابق، ص 128.

المصدر :

أولاد عبدالغني عبدالواحد
أولاد عبدالغني عبدالواحد

 

Post Author: هسبريس